صباح الخير

[email protected]

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

رحلة وحدوتة

427 مشاهدة

5 سبتمبر 2018
كتب : مودي حكيم



رحلة الحياة حكايات ومواقف.. تأملات ودلالات.. انطباعات ومتغيرات.. مواقف.. وذكريات تبقى محفورة داخلنا تذهب بنا لعالم جميل نتذكر فيه أجمل اللحظات، قد تجمعنا رحلة الحياة بأشخاص أو قد َنمُرُّ بأماكن لم نشعر فى بداية الأمر بأهميتها، ولكن مع الوقت نشعر بقيمتها ومدَى تأثيرها فنعيش بذكريات وأمل أن تعود من جديد لا نشعر بقيمتها الحقيقية إلى أن تغيب فى أعماق الذاكرة.
فى رحلة الحياة اكتسبت أصدقاء أوفياء لا يجيدون التصنع ولا يتلاعبون بالأقنعة، فتبقى الذكريات رمزًا لكل شىء جميل، منهم الزميل الكاتب والمؤرخ المعاصر رشاد كامل يلح وبإصرار أن أكتب عن رحلتى فى دروب الإعلام والفن من القاهرة لبيروت ولندن والتحديات فى مسيرتى بكل ما فيها من مواقف وتجارب.
والمبدع الكاتب طارق رضوان رئيس تحرير مجلتنا الحبيبة «صباح الخير» بحسه التشكيلى ووفائه لمن سبقوه فى العمل بالصبوحة - كما نحب أن نسميها - مُصدرًا الزميل الفنان محسن رفعت مطالبًا بالمساهمة فى الكتابة دفعنى أن أسترجع أيامًا عشتها وعشقتها وحَملتُ ذكرياتها عبْر السنين.
جذبتنى الصحافة من خلال رسوم الأستاذ والمعلم والفنان الرسام والموسيقى حسين بيكار بمجلة «آخر ساعة»، فتبادلنا الرسائل البريدية وأنا طالب بمدرسة مصر الجديدة الثانوية، وكهوَس الشباب بنجمهم المفضل طالبت الفنان الكبير بصورة فوتوغرافية له موقّعة بإمضائه وحقق لى حلمى، إلى أن التحقت بكلية الفنون الجميلة، فصرتُ تلميذًا له ورشحنى للعمل فى مجلة «سندباد» التى كانت تصدرها «دار المعارف» ويشرف على إصدارها، فزاد عشقى بالعمل الصحفى وفنونه، وعملتُ بعد تخرُّجى بالقسم الفنى بهيئة اليونسكو بسرس الليان، وكان رئيس القسم دنماركى الجنسية وبراتب سبعين جنيهًا، وهو راتب خيالى فى هذه الفترة، ولكن العشق الصحفى دغدغ أحاسيسى وأنا أتأمل كل ليلة فى مطبوعات «روزاليوسف» هائمًا بلوحات جمال كامل ورسوم زهدى ومأمون وإيهاب وجورج ورجائى ونيس وحجازى وناجى كامل والليثى، فدفعنى أن أهرب من اليونسكو وأضحى بالسبعين جنيهًا متخذًا ملاذًا بالفنان الإنسان جمال كامل الذى قدّمنى للأستاذ إحسان عبدالقدوس ليعتمد قرار تعيينى براتب شهرى عشرين جنيهًا، لكن رئيس المستخدمين فى وقتها «على عنتر» أصرّ أن يلتزم بقانون تعيين خريجى الجامعة براتب سبعة عشر جنيهًا فقط، عملتُ فى الإخراج الصحفى مع الفنان والإنسان الحساس عدلى فهيم الذى لُقِّبَ بـ«القديس» والفنان هبة عنايت العائد من الصين متأثرًا بالدقة والاهتمام بالتفاصيل.
قصص البداية وحُب هذا الكيان والصرح الإعلامى «روزاليوسف» متشابهة، مَدرسة متناغمة تذوب فيها المواهب وتتلاحم.. شخصياتها تتحرك وتسير وتأكل وتنام وتصحو فى عالم الصحافة فى «روزاليوسف» وشقيقتها «صباح الخير» التى تشع بإشراقة الصبح وتحمل أمنيات الخير.. فلا داعٍ للتكرار.
اعتمدت الجرأة فى إخراجى لصفحات «صباح الخير» مراعيًا الحفاظ على كتلة النص وعلاقتها بالفراغات الجمالية فى تكوين يربط ويزاوج مختلف العناصر من رسم ونص وعنوان لتجسيد المعنى والهدف من المقال فى إيقاع متجدد دائمًا.
صديق العمر لويس جريس كان يحذرنى دائمًا بتوخى الحذر من استمرار تقديم تصميمات جديدة لصفحات المجلة فى كل أسبوع حتى لا تنضب الأفكار، ولكن الكاتب العظيم أحمد بهاء الدين كان فرحًا بهذا ومشبهًا إخراجى لصفحات «صباح الخير» بالرغيف الساخن الخارج من الفرن، تقييم وشهادة دفعتنى دائمًا للإبداع. اهتممت بالخط العربى واستخدامه كشكل جَمالى فى تصميم الصفحات وكعنصر من عناصر التصميم الجرافيكى لجماله، كنتُ أطلب من الصديق رءوف توفيق مدير التحرير اختصار كلمات العنوان عند اللزوم، بحيث لا يزيد على كلمتين أو ثلاث، ساعدنى واحترم رؤيتى، فالعنوان فى هذا الموضوع هو بطل التصميم سيأخذ مساحة الصفحتين يتخلله أعمدة النص الذى أتحكم فيه طولًا وعرضًا خارج المألوف، وقد تلتف مقدمة الموضوع حول أحد الأحرف، كان يحترم هذا، خصوصًا أن قراءتى لموضوعات المجلة كان من أساسيات اختيارى لتصميم كل موضوع.
وتأتى مرحلة التنفيذ، فأرسم العنوان كما أتخيله ويأتى خطاط المجلة الشهير «أبو شنب» ومساعده محمد حمزة لتنفيذه - هو نفسه الشاعر الغنائى الشهير محمد حمزة الذى كتب أجمل الكلمات لأغانى عبدالحليم الشهيرة وفايزة أحمد وشادية التى غنت له «يا حبيبتى يا مصر» ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية أغنيتها الشهيرة «حكايتى مع الزمان» وغنّى له محمد العزبى «عيون بهية» ورصيده (1200) أغنية.
يبدو أن أسلوب إخراج «صباح الخير» بهذا التصميم الجرىء دفع الصديق الموسيقار بليغ حمدى والزميل محمد حمزة لدعوتى للقاء أحد أمراء العائلة الملكية السعودية الذى يرغب فى إصدار ديوانه الشعرى الأول، فرشحنى لتصميم الديوان ورسم غلافه ولوحاته الداخلية والإشراف على طباعته.
كان اللقاء فى قصر الملكة فريدة فى الهرم مع مستأجره الأمير خالد بن سعود حفيد مؤسس المملكة العربية السعودية، والموعد فى الثانية بعد الظهر، فجلسنا فى شرفة القصر فى انتظار استيقاظ الأمير، طل علينا الأمير فى الخامسة مساءً وأحضر له أتباعه مشروبه الصباحى ليبدأ به يومه، واشتهر الأمير خالد بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود بزيجاته من فاتنات السينما العربية، فكان الزوج الأول للفنانة المعتزلة شمس البارودى التى لم يستمر معها إلا ثلاثة أشهر، ثم تزوج من الفنانة سهير رمزى وطلقها بعد عام واحد، ثم تزوج الفنانة اللبنانية صباح، لكنه طلقها أيضًا بعد بضعة أشهر، وهناك العديد من الفنانات الجميلات التى ذكرت الشائعات زواجهن من الأمير خالد مثل سعاد حسنى وميرفت أمين، ولكنها كانت مجرد شائعات.
كان الأمير وسيمًا يزهو بشبابه وضع أمامى مسودات لمجموعة قصائد من أشعاره، اختار منها قصيدة «حبيبتى من أنت» لتكون عنوانًا لكتابه. لكن المبدع بليغ حمدى اقترح تغيير الاسم إلى.. «حبيبتى مَن تكون»:
«الرفاق حائرون يفكرون
حبيبتى أنا.. مَن تكون
يفكرون.. يتساءلون
أشياء وأشياء
يتساءلون فى جنون
حبيبتى مَن تكون
يتهامسون.. يتخيلون
أسماء وأسماء
ويضيع كل هذا هباء»
واستأذنت أن آخذ النصوص لقراءتها وإعداد تصوُّر أولِى لشكل الكتاب وغلافه، لكن شوق الأمير ورغباته فى أن يعايش مولد كتابه الأول والوحيد دفعه لتوفير كل متطلبات الرسم من أوراق وألوان وأدوات فنية فورًا حتى أبدأ فى العمل وأمام إلحاحه وترجوات بليغ حمدى ومحمد حمزة، أعددت قائمة بالخامات اللازمة، وأرسل الأمير واحدًا من رجاله لشرائها من محل «بوتشلاتى» بميدان مصطفى كامل، تركانى (بليغ وحمزة) منتصف الليل لأستمر أنا فى التصميم ورسم اللوحات الداخلية حتى الصباح والأمير سعيد وفرح، كلما انتهيت من رسم إحدى اللوحات الداخلية، تكرر هذا على مدَى أسبوع حتى أصبح ديوان الشعر جاهزًا للطباعة، فحملته إلى مطبعة «ألوان» بمصر القديمة، التى انضمت لاحقًا لمطابع محرم الشهيرة بالإسكندرية، وهى كانت أفضل المطابع المتميزة فى الستينيات، يديرها الصديق المهندس على مشرفة التى استمدت صداقتى به حتى الآن، وساعدنى على إتمام الطباعة والتجليد خلال أسبوع واحد، فالأمير خالد متلهف ويريد أن يحمل نسخًا منه قَبل سَفره إلى بيروت.
كان الأمير سعيدًا جدّا بمولوده الجديد لدرجة أنه أراد أن يكافئنى بالسَّفَر معه إلى بيروت لتقديم مولوده للصحافة اللبنانية مستعينًا بى، فسافرتُ أنا ومحمد حمزة وبليغ حمدى لنقيم فى فندق «ستراند» بمنطقة الحمرا الشهيرة، وأقام الأمير خالد بشقته بمنطقة الرملة البيضاء، أمّا بليغ فقد تركنا بعد يومين ليقيم فى فندق كارلتون بمنطقة الروشة مع عبدالحليم حافظ القادم للبنان فى الوقت نفسه لتصوير مشاهد من فيلم «أبى فوق الشجرة».
وبدأت مهمتى بلقاء عدد من الصحفيين اللبنانيين منهم سامى غميقة رئيس تحرير مجلة «ألف ليلة وليلة» وإبراهيم البرجاوى رئيس تحرير مجلة «الكاميرا»، سامى غميقة لم تَخْلُ صحيفة من عطائه منذ احترف المهنة عام 1957 فى مجلة «المجالس المصورة» وسكرتير تحرير بـ«الدبور» و«الحياة»، ثم مديرًا لتحرير مجلة «الشبكة» ومجلة «الصياد».
أمّا إبراهيم البرجاوى فقد بدأ عمله الصحفى عام 1956 هاويًا ثم احترف بعدها بعامين، فعمل مراسلًا سياسيّا وعسكريّا ومراسلًا إذاعيّا ومدير تحرير ونائب رئيس تحرير ورئيس تحرير فى الصحف والمجلات، منها: «الحياة» و«الهدف» و«البيرق» و«الحوادث» و«التضامن» و«الوطن العربى» و«كلام الناس» و«الباشا»، كما عمل بالإذاعة اللبنانية وعاش فى القاهرة بعد أحداث لبنان ليرأس مجلة «كاميرا 2000» التى أعاد إصدارها المنتج والموزع المبدع الصديق صفوت غطاس.
الترويج والتعريف بديوان شعر الأمير خالد تم وسط مشاعر من القلق والتوتر أصابتنى أنا ومحمد حمزة، فقد سافر الأمير فجأة بعد أيام من وصولنا لبيروت والمطالبات بتسديد حسابات الإقامة تطاردنا من الإدارة المالية للفندق وليس لدينا ما يكفى حتى لاحتياجاتنا اليومية من مأكل ومشرب وانتقالات ولولا الصداقة التى بدأت مع الزملاء الصحفيين اللبنانيين ومساهماتهم بالتنقل بسياراتهم وتقديمى للوسط الصحفى لكانت الأزمة أكبر.
الصديق الفنان بليغ حمدى مازحًا يحاول أن يجد حلًا لمشكلتنا، فالطريقة الوحيدة هى غسيل الأطباق فى مطابخ الفندق المعروف.
لكن الأزمة تبخرت مع عودة الأمير الشاعر الذى اعتذر بعد تدخُّل الفنان عبدالحليم حافظ وسدد فواتير الإقامة.. وعُدنا بسلام الله لأرض الوطن.
بعدها بأسبوعين عاد عبدالحليم بعد انتهاء تصوير مشاهده فى فيلم «أبى فوق الشجرة» ليواجهه إلحاح الأمير الشاعر على تسجيل أغنية «حبيبتى مَن تكون» بعد أن انتهى بليغ من تلحينها، وأمام إصراره بدأ عبدالحليم بروفات الأغنية وتسجيلها فى استوديوهات الموسيقار أحمد فؤاد حسن بشارع عدلى وسط القاهرة، وانتهى التسجيل بإهداء عبدالحليم نسخة على شريط للأغنية، لم يغن عبدالحليم الأغنية فى أحدى حفلاتها ولم تخرج للنور إلا بعد وفاة عبدالحليم حافظ، ولم يعرف الجمهور السبب رُغْمَ معرفتنا به لوجودنا فى مطبخ الحدث.
.. وكانت زيارتى الأولى للبنان، وعلامة لبداية جديدة. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook