صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عروسة من الأحلام

117 مشاهدة

8 يونيو 2019



كتب: محمد مصطفي الخياط

بدا محمود ساهمًا على العشاء. تنتظره زوجته كل ليلة ليتعشيا معًا. يعود فى حدود التاسعة مساءً، بعد أن ينهى عمله بالإدارة التعليمية فى لاظوغلى يتجه إلى مكتبه الخاص للمحاسبة فى شارع محمد فريد. بينما تعد زوجته المائدة يستمتع بدش دافئ يزيل به شيئًا من هموم وضغوط العمل. «العشاء المقدس» كما يسميه الأولاد. لا تسمح ظروفهم أن يتحلقوا حول المائدة سوى فى هذه الوجبة التى صارت آخر خطوط الترابط الأسرى. لا يسمح لأحد بالاعتذار فاعتادوا إزاحة ارتباطاتهم بعيدًا عن هذا التوقيت. بادلته زوجته كلمات مقتضبة عَلَّها تكشف ما به من انشغال، فأجاب:
- أبداً. يبحث كمال صديقى عن زوجة
- وزوجته الحالية؟
-لا أدرى لكنى استشعر توافقًا بينهما حول الموضوع. ألمح إلى ذلك
- عينى عليك يا نورا
- طلب مساعدتى
فى الأيام التالية، على شاشة هاتفها المحمول عرضت عليه زوجته صورًا لسيدات ترملن أو طُلقن، وأخريات فاتهن قطار الزواج. تحدثت عن مزايا كل منهن وبعض الاعتبارات اللاتى ذكرنها. استبعد بعضهن ووعد بعرض بعضهن على كمال. لفتت انتباه محمود صورة أحلام، ما زالت تحتفظ بجمالها رغم وفاة زوجها منذ عدة سنوات. تركها وحيدة بلا أطفال. تخطت الثلاثين بقليل. تسكن فى الدور الأول بذات العمارة. يلقاها أحيانًا صدفة فى المدخل، فيلقى السلام موليًا إياها شطر وجهه متعمدًا عدم النظر إليها. لم ينظر فى وجهها كما رآه الآن فى صورتها المضيئة على الشاشة. فى الأيام التى تلت الوفاة، ساعدها فى الحصول على معاش زوجها. تم ذلك عبر  زوجته مع لقاءات متباعدة بحضورها. لا تنسى معروفه وتذكره بالخير كلما جلست إلى زوجته.. تحرك فى داخله شىء خفى غاب عنه منذ سنين. تغيرت زوجته وتغير واختلفت قائمة الأولويات بينهما. لم يجن من جهوده المضنية لتنبيهها سوى علاقة غير منتظمة يؤطرها التوتر فآثر السلامة ونسيان الأمر، تحولت مديرة منزل وأيقن أنها نسيت دورها كزوجة. على خلاف باقى الصور نسخ صورتها إلى قسم خصوصياته. واعتاد كلما سألته زوجته عن كمال أن يجيبها أنه لم يحسم أمره بعد.
من حين لآخر يخرج صورة أحلام يتأملها، يمشى بأصابعه على ملامحها. صارت تُلح على تفكيره. تمنى أن يحدثها ولكن كيف وماذا يقول وهل يفاتحها فيما يفكر فيه، هل يخبرها أنه اخترع قصة كمال المزعوم ليحصل على صورتها، ليتأملها عن قرب. ما زال رقم هاتفها مدونًا منذ كان يتواصل معها لإنهاء إجراءات المعاش. انتهز أول مناسبة وأرسل لها بطاقة تهنئة بعيد الأضحى. بطاقة تقليدية وإن تخير واحدة يتوسطها قلب كُتب فيه عبارة تهنئة، وكالعادة فى تلك المناسبات ذيل الرسالة باسمه، خشى أن تكون غيرت رقم هاتفها أو مُسح لسبب أو لآخر.. مضى اليوم دون تلقى رد. فى ظهر اليوم التالى تلقى تهنئتها. لم يكن هذا ما ينتظره، كان يتحرق لمعرفة أهو رقمها أم لا، وهذا ما أكدته الرسالة التالية، حيث هنأته بالعيد وذكرت اسم زوجته. رد التهنئة فرحاً جزلاً. اعتاد من يومها أن يرسل إليها تحيتى الصباح والمساء فترد عليه حيناً وتسبقه برسائلها حيناً آخر. صارت طقساً يومياً تتطور مستوياته يوماً بعد يوم. ينتظر فى المساء صباحاتها، وينتظر مساءاتها فى الصباح.
ذات صباح، مرت أحلام على جيرانها، سلمت عليهم وودعتهم بينما العمال منهمكون فى نقل أثاث بيتها إلى السيارة، أكدوا عليها أن يتواصلوا وأكدت عليهم بدورها. أين كانوا هم حين كانت بينهم حتى يتذكروها وقد غادرتهم. سلمت عليهم من باب الواجب ليس إلا. ليالٍ طويلة قضتها بين جدران شقتها وحيدة تتلقى كلمات الاعتذار عبر الهاتف وبرامج التواصل الاجتماعى عن الجلوس معها ولو لبعض الوقت، حجج روتينية مكررة تصلح لكل زمان ومكان، شغل البيت، مذاكرة الأولاد، تعب مفاجئ، وغيرها مما لا ينضب معينه لكل غير مهتم.. فى الحى الجديد، أخذت تراجع مع أختها الكبرى إلهام ترتيب الأثاث، باعت غرفة نومها واشترت أخرى جديدة وغيرت بعض القطع. انسابت موسيقى متفائلة فى الشقة المتلألئة. رغم صغر مساحتها إلا أنها بدت جميلة متناسقة. حاولت قدر جهدها أن تنتهى من وضع لمساتها الأخيرة على الشقة. اقتربت الساعة من السابعة مساءً ودعتها أختها على الباب. وشوشتها فضحكت وضربتها برفق على كتفها. هنأتها وتمنت لها ليلة سعيدة وقرصتها فى خدها. نظرت فى عينيها وقالت بتوسل «أدعيلى»، فأجابتها وهى فى حضنها «ربنا يهنيكم». أغلقت الباب وضعت بوكيه الورد فى منتصف غرفة الاستقبال واتجهت إلى غرفة نومها. أخرجت قميصاً تحالف مع جسدها على إظهار مفاتنة، بعضاً من مساحيق تجميل وكحل وعطر نثرته هنا وهناك. رن جرس الباب. تسارعت نبضات قلبها. ألقت نظرة سريعة على جسدها فى المرآة. نظرت من ثقب الباب. فتحت الباب. دخل محمود ملقياً تحية المساء. وقعت عيناه على بوكيه الورد. قرأ الكارت «ألف مبروك للعروسين ... إلهام». نظر نحوها فى حب وحنان. همس فى أذنها «مبروك»، أجابته بخجل مصطنع «مبروك لينا»، ثم ذابا فى قبلة طويلة.•
تمت
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook