صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أب ملأ الدنيا وشغل الناس

58 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتب: د. شحاتة الحو


أتصور أن رواية «عودة الروح» (التى صدرت عام 1933م) لتوفيق  الحكيم  جسَّدت حلم المصريين الذى يرى الخلاص للواقع المأزوم، فى «القوة الكامنة فى المصريين» الذين ورثوا أسباب الحضارة ومقوماتها، لكنهم فى حاجة إلى بطل قوى منهم تتمثل فيه عواطفهم وتتحقق فيه أمانيهم، ويكون لهم رمزًا وغاية.
وكان وصول عبدالناصر إلى سُدَّة الحُكم تجسيدًا واقعيّا لهذه الفكرة؛ إذ إنه واحد منهم يحمل ملامحهم وتجرى دماؤهم فى عروقه، كما يكشف مظهره الجسدى (الطول وانتصاب القامة، قوة البنيان، النظرة الحادة، ...إلخ) عن مَلمح بطولى واضح، ألهب خيال المصريين المسكونين بصور الأبطال الشعبيين أمثال عنترة، وسيف بن ذى يزن، وأبى زيد الهلالى،  وأدهم الشرقاوى وغيرهم.
أكد هذه البطولة وعَمَّق مَداها فى وجدان المصريين قفزات عبدالناصر المفاجئة فى مقاومة الإقطاع، ومنح الفلاحين الأرض يزرعونها، وتحديه السافر للهيمنة الغربية والأمريكية، وخُطبه المرتجلة التى تؤكد الانحياز إلى الشرائح المُعدمة والنزوع نحو نوع من العدالة الاجتماعية، فضلًا عمّا عُرِف عن بساطة حياة عبدالناصر الخاصة وإصراره على التمسك بعاداته القديمة، فلم يُغَيرـ بعد وصوله إلى سُدَّة الحُكم ـ الترزى الذى كان يخيط عنده ملابسه، أو الحلاق الذى اعتاد أن يحلق شَعره، أو سلوكه الغذائى،  نمط الطعام المتواضع الذى اعتاده منذ أن كان ضابطا صغيرًا. وليس من شك أن هذا كله رسَّخ بطولة عبد الناصر ونَمَّى رصيدها الوجدانى فى المخيلة الجماعية.
اكتب لى جواب لأبويا عبدالناصر
وكان لهذه البطولة أصداء فى بيوتنا المصرية، ـ  ولا تزال ـ   فغدا عبد الناصر المِثال والنموذج والغاية، فعاش الناس فى بيوتهم حلم القومية المفعم بالتحدى، وتضاعفت الأحلام، وترسّخ فى الوجدان رغبة جامحة بالتحديث، وإحساس بالقوة ورفض للتفريط فى الحق ـ وإن كان شخصيًّا ـ أو التسامح مع من يتعنت، بعد أن كان الفلاحون لا حيلة لهم أمام من يذهب بحقوقهم.
سرد لى أحد الأساتذة الكبار أنه كان فى الصف السادس الابتدائى حين دخل عليه أبوه متجهم الوجه محتقن الصوت قائلًا:
- هات ورقة وقلم، واكتب لى جواب لعبدالناصر.
-  قل له:
«أنا المواطن... أسكن بلدة... أتظلم إليك يا نصير الغلابة أن الأفندى المشرف الزراعى بالجمعية رفض تسليمى حصتى فى الكيماوى، وقال لى: اخبط دماغك فى الحيطة.. يرضيك كده يا سيادة الريس؟!!».
لم  يقدم الفلاح مظلمته إلى مديرية الزراعة مثلًا، ولا إلى وكيل وزارة أو حتى وزير، وإنما توجّه بها إلى رئيس الدولة رأسًا؛ لأن ميراث الجهاز الوظيفى منذ المرحلة المَلكية كان سيئًا بممارساته وتسَلطه مع الفلاحين؛ الأمر الذى أفقده الثقة فى تحقيق ما يصبو إليه الفلاح. كما يؤكد هذا الموقف على الثقة المطلقة فى «الأب» الذى سوف يُرجع الحق لأصحابه ولن يكون مصير رسالته سلة المهملات.
كانت ثقة الرجُل فى محلها، إذ سُرعان ما تفاجَأ بأن مديرية الزراعة تجِدُّ فى البحث عنه، وتسعى لاسترضائه بشتّى السُّبُل، فجاءه مدير الجمعية الزراعية وعرض عليه أن يأخذ الكمية التى يريدها من الأسمدة، على أن يرسل خطابًا آخر بأن مشكلته قد حُلت. ثم يتسلم الرجُل رسالة بريدية من رئاسة الجمهورية مرفق معها صورة فوتوغرافية للرئيس تحمل توقيعه، وتُخبره بأن مشكلته محل عناية، وإذا لم تحل فعليه مخاطبة الرئاسة مرّة أخرى.
قد يرى البعض أن هذا تصرُّف فردى وأن الرئيس ليس مطلوبًا منه أن يَحل مشكلة كل مواطن على حدة، وليست هذه وظيفته، وإلّا فلن يكفيه الوقت ولن تسعه الصحة للقيام تلك الأمور، وهذا صحيح، لكننى أسوق مِثل تلك الوقائع للتدليل على إيمان الناس بالحلم الذى راودهم وتمثلهم لشخصية عبدالناصر بوصفها طوق النجاة الذى يتعلق به الغريق.
رسالة فى «صُرَّة طعام»
وفى كل قرية مصرية ومدينة قصص  مشابهة لمواقف مشابهة لجأ الناس فيها إلى عبدالناصر بشكل شخصى لحل مشكلاتهم، ولدفع الظلم عنهم، إيمانًا منهم بعبدالناصر، واقترابه من عالمهم.
هذا الإيمان خَلق نوعًا من قنوات اتصال غير مرئية بين جموع الطبقة الكادحة وعبدالناصر، ففى إحدى زياراته لقرى الصعيد أطلَّ عبدالناصر ملوحًا بيده من نافذة القطار للجموع الغفيرة التى تتطلع إليه ليتفاجَأ الجميع بشىء ثقيل قذف من نافذة القطار ليستقر تحت قدميه، فانزعج مرافقوه، ولم يعد الهدوء إلى الرّكْب إلّا بعد أن فتح هذا الشىء (صُرَّة طعام) ليجدوا فيه خبزًا جافًّا، وبصلًا، وجبنًا قديمًا، وراح رفاق عبدالناصر يفسرون محتويات تلك الواقعة، هل كان هناك من يقذف بها لزميله فسقطت خطأ فى نافذة الرئيس؟!، هل هناك من أخذه الحماس واستبدت به النشوة عند رؤية الرئيس فـألقى ما فى يده جنونًا؟!، ولم تجد تلك التفسيرات قبولًا لدى عبدالناصر الذى قرأ الواقعة قراءة أخرى أبعد غورًا، فقال:
إنها رسالة من أناس أعرفهم. إن عمال «التراحيل» يريدون أن يقولوا لى إننا  لانزال نأكل الخبز الجاف والبصل والمِش، رُغم ما تفعله!
وقد تكشَّف بعد ذلك أن الأجر اليومى للعامل وقتئذٍ كان لا يتعدّى القرشين ونصف القرش، فضاعفها عبدالناصر إلى خمسة قروش، ثم إلى سبعة قروش ونصف.
ومِثل هذه المواقف وغيرها هى التى شكلت صورة عبدالناصر فى وجدان المصريين، وجعلت من عبدالناصر فى بيوتنا المصرية أبًا وبطلًا، تجاوز فى بعض الأحيان حدود الواقعية المعتادة؛ ليسبح فى عالم من البطولة الأسطورية الخالصة؛ حيث أخذت أنسجة الخيال تتشابك وتتعقد حول تلك الشخصية التاريخية الاستثناء، فتنسب إليها أفعالًا-  هى من صميم آمال المصريين الموءودة وتطلعاتهم الضائعة-  فما من قرية مصرية إلّا ونجد قصصًا شعبيّا يضحَى فيه عبدالناصر نصيرًا للفقراء والكادحين، من ذلك القصص الخيالى يذكر أن رجلًا أجيرًا من إحدى قرى الدلتا عمل لدَى أحد الوجهاء فضربه وأهانه، فعَقد الأجير العزم على الذهاب إلى عبدالناصر، فقطع المسافة ماشيًا على قدميه؛ لأنه لا يملك ما يدفعه للسيارة التى تقله إلى حيث مَقر الرئاسة، فدخل على عبدالناصر وهو فى حالة رثة وبطنه تتلوّى جوعًا، فأكرمه وأرسل فى طلب ذلك الوجيه، ودعا الفلاح أن يرد له الصاع صاعين.
والحق أن النظرة إلى تلك المسرودات الشعبية على أنها مثاليات مجردة لهى نظرة عُجلى، لكن القراءة الفاحصة لها تكشف عن كونها تعبيرًا عن واقع ـ زاد تأزمه فيما بعد المرحلة الناصرية ـ افتقد فيه المصرى العدالة الاجتماعية، والظهير الحقيقى الذى يتقوى به، كما تكشف عن عجز المصرى الواضح عن الثأر لنفسه ممن مارَسَ عليه نوعًا من السطوة، فقرر أن يُعوّض هذا بالكلمة الفعل، أو الحكاية التى يبتلع بها الواقع الحقيقى،  ومن ثَمَّ يصبح الخيال ملاذًا آمنًا للعيش.
وليس عجيبًا أن نرى فى كثير من منازل أبناء الطبقة الوسطى والدنيا- ممن ليس لهم توجهات أيديولوجية أو انتماءات حزبية ولا تعنيهم آراء المفكرين والسياسيين- صور عبدالناصر معلقة على الجدران، ونسمع آيات الترحم التى لا يتوانون فى إرسالها إليه فى كل وقت، رُغم مرور ما يقارب تسعة وأربعين عامًا على رحيله، ورُغم حملات التشويه التى شنها خصوم عبدالناصر عليه وطعنهم فى توجهاته الاجتماعية وقراراته السياسية؛ لأن عبدالناصر كان البطل الحلم الذى راود أبناء تلك الطبقات، والرجُل الحلم لا يموت ولا يمكن أن يشوَّه؛ لأنه لا يعيش بين أوراق التاريخ، بل يبقى حيًّا فى القلوب رمزًا يُعَلِّقُ الشعب عليه آماله وطموحاته حتى بعد رحيله، ومن ثم ستبقى صورة عبدالناصر دومًا فى تشكل مستمر يستدعيها المصريون كلما احتاجوا إليها.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

يا ولدى هذا جيشك العظيم

ولدى العزيز..
 أكتب إليك وإلى كل أبناء جيلك ممن يتعرضون الآن لأشرس وأخطر حرب تمر بها الأجيال وتمر بها البلاد. حرب ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook